الحرب المالية الأميركية على إيران تشمل شركاءها التجاريين

تستعد الولايات المتحدة لإطلاق مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية على إيران، في إطار ما وصفه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بأنه «أكبر حرب مالية على الإطلاق» ضد خصم للولايات المتحدة، وسط توقعات بأن تشمل الإجراءات الجديدة دولاً وشركات ومؤسسات تواصل التعامل تجارياً ومالياً مع طهران.

ومن المقرر أن يعقد بيسنت مؤتمراً صحفياً، اليوم الاثنين، للكشف عن تفاصيل الإجراءات المرتقبة، بعدما أكد أن واشنطن ستوسع دائرة الضغط لتطال الأطراف التي تساعد إيران على الحفاظ على تدفقاتها التجارية والمالية رغم العقوبات.

وكتب بيسنت في مقال نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» أن «يوم الحسم الاقتصادي» يبدأ مع إطلاق الحملة الجديدة، في إشارة إلى تشديد غير مسبوق للعقوبات وآليات تنفيذها.

في المقابل، تؤكد طهران أنها مستعدة لمواجهة الضغوط الأميركية، مستندة إلى شبكة واسعة من العلاقات التجارية مع عدد من الدول، بعضها يرتبط معها بعلاقات استراتيجية أو بمصالح اقتصادية يصعب الاستغناء عنها.

فمن هم أبرز شركاء إيران التجاريين الذين قد يجدون أنفسهم في دائرة العقوبات أو الضغوط الأميركية؟

الصين.. الشريك النفطي الأكبر

تأتي الصين في مقدمة الدول المعنية، باعتبارها أكبر مشتر للنفط الإيراني، إذ تستحوذ على أكثر من 80% من شحنات الخام الإيراني.

وخلال السنوات الماضية، تطورت منظومة تجارية معقدة تتيح وصول النفط الإيراني إلى المصافي الصينية المستقلة، التي تستفيد من الأسعار المخفضة للخام الخاضع للعقوبات الأميركية.

وبحسب مصادر في قطاع النفط، جرى في أحيان كثيرة إعادة تصنيف شحنات إيرانية على أنها قادمة من دول أخرى، بينها ماليزيا وإندونيسيا، فيما تتم عمليات السداد باليوان الصيني وعبر شبكة من الوسطاء والجهات التجارية التي يصعب تتبعها.

وتشير تقديرات شركة «كبلر» للتحليلات إلى أن الصين اشترت خلال عام 2025 ما متوسطه نحو 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني.

وسبق لوزارة الخزانة الأميركية أن فرضت عقوبات على مصافٍ صينية مستقلة على خلفية شراء نفط إيراني بمليارات الدولارات، كما حذرت المؤسسات المالية الصينية من مخاطر العقوبات الثانوية.

تركيا.. الغاز والتجارة الثنائية

تمثل تركيا شريكاً اقتصادياً مهماً لإيران، خصوصاً في قطاع الطاقة، إذ تستورد أنقرة الغاز الطبيعي الإيراني، فيما تصدر إلى السوق الإيرانية مجموعة واسعة من السلع المصنعة.

وتتراوح قيمة التجارة الثنائية بين البلدين بين خمسة وستة مليارات دولار سنوياً، مع صادرات تركية إلى إيران تقترب من ثلاثة مليارات دولار.

وتكتسب العلاقة أهمية إضافية بسبب اعتماد تركيا الكبير على استيراد الغاز، حيث تؤمن إيران نحو 13% من إجمالي وارداتها من الغاز الطبيعي.

ولم تظهر أنقرة حتى الآن مؤشرات واضحة على استعدادها لتقليص علاقاتها الاقتصادية مع طهران، ما قد يضعها تحت ضغوط متزايدة في حال وسعت واشنطن نطاق العقوبات الثانوية.

العراق.. علاقة اقتصادية معقدة وملف طاقة حساس

يعد العراق أحد أهم الأسواق للمنتجات الإيرانية، إذ تجاوز حجم التجارة بين البلدين عشرة مليارات دولار خلال عام 2025، وفق بيانات تجارية عراقية.

وتشمل الصادرات الإيرانية إلى العراق الأغذية والسلع الاستهلاكية ومجموعة كبيرة من المنتجات الصناعية، فضلاً عن ارتباط البلدين بعلاقات وثيقة في قطاع الطاقة.

وبحسب مسؤولين عراقيين، تراجعت حركة التجارة خلال عام 2026 نتيجة التوترات الأمنية واضطرابات المعابر الحدودية وارتفاع تكاليف النقل وتعطل بعض سلاسل الإمداد.

وتبقى واردات الغاز الإيراني إحدى أكثر القضايا حساسية، إذ يدفع العراق لطهران ما بين أربعة وخمسة مليارات دولار سنوياً مقابل الغاز المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء.

وقد تجعل أي عقوبات أميركية إضافية عملية تسوية هذه المدفوعات أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل القيود المالية المفروضة سابقاً والتي دفعت بغداد إلى استخدام حسابات وآليات دفع مقيدة.

سلطنة عمان.. تجارة متنامية ودور سياسي حساس

تحافظ سلطنة عمان على علاقات مستقرة مع إيران منذ عقود، كما لعبت مراراً دور الوسيط بين طهران وعدد من العواصم الغربية، وفي مقدمتها واشنطن.

وشهدت العلاقات التجارية بين البلدين نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغ إجمالي تجارة السلع نحو 1.5 مليار دولار خلال عام 2025.

كما وصلت المبادلات التجارية إلى نحو 345 مليون دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، وفق بيانات رسمية عمانية.

وتجعل طبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية بين مسقط وطهران أي توسع محتمل للعقوبات الأميركية موضوعاً بالغ الحساسية بالنسبة للسلطنة.

باكستان.. تجارة رسمية وغير رسمية

ترتبط إيران وباكستان بشبكة من المبادلات التجارية تشمل النفط والقمح والأرز والماشية والأدوية والسلع الأساسية، فيما يجري جزء من هذه التجارة عبر قنوات غير رسمية على طول الحدود المشتركة.

ويطمح البلدان إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى عشرة مليارات دولار، إلا أن تشديد العقوبات الأميركية قد يعقد هذه الخطط.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن حجم التبادل التجاري بين الجانبين، بما فيه التجارة غير الرسمية، يقترب من أربعة مليارات دولار.

وتسعى إسلام آباد وطهران منذ أشهر إلى توسيع التعاون التجاري وإيجاد قنوات أكثر استقراراً للتبادل الاقتصادي.

الهند.. تراجع كبير منذ تشديد العقوبات

شهدت العلاقات التجارية بين الهند وإيران تراجعاً حاداً بعد تشديد العقوبات الأميركية خلال السنوات الماضية.

وانخفض حجم التجارة الثنائية من نحو 17 مليار دولار إلى 4.8 مليار دولار في السنة المالية 2019-2020، قبل أن يتراجع أكثر ليصل إلى نحو 1.63 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026.

وتبلغ قيمة الصادرات الهندية إلى إيران نحو 1.3 مليار دولار، وتشمل بصورة رئيسية الحبوب والشاي والقهوة والتوابل.

وتؤكد نيودلهي أن جانباً كبيراً من هذه الصادرات يرتبط بالمواد الغذائية والاحتياجات الإنسانية، وترى أنه ينبغي عدم إدراجها ضمن أي عقوبات جديدة.

أرمينيا.. التجارة والطاقة

بلغ حجم التجارة بين إيران وأرمينيا نحو 768 مليون دولار في عام 2025، أي ما يعادل قرابة 3.6% من إجمالي التجارة الخارجية لأرمينيا.

وخلال النصف الأول من عام 2026، ارتفع حجم المبادلات إلى نحو 371.4 مليون دولار، بزيادة بلغت 8.4% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

كما تمر نسبة تقدر بنحو 20% من التجارة الخارجية الأرمينية عبر الأراضي الإيرانية.

ويرتبط البلدان كذلك باتفاق «الغاز مقابل الكهرباء»، تحصل بموجبه أرمينيا على الغاز الإيراني وتستخدمه في إنتاج الكهرباء، قبل إعادة جزء منها إلى إيران.

 

أذربيجان.. نمو مستمر في المبادلات

بدورها، حافظت أذربيجان على علاقات تجارية متنامية مع إيران.

وارتفع حجم التجارة بين البلدين خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026 بنسبة 4.5%، ليصل إلى نحو 312.6 مليون دولار مقارنة بـ299.1 مليون دولار خلال الفترة ذاتها من عام 2025.

وبلغت واردات أذربيجان من إيران نحو 297 مليون دولار، فيما ارتفعت الصادرات الأذربيجانية إلى السوق الإيرانية إلى نحو 15.6 مليون دولار.

اختبار لشبكة العلاقات الاقتصادية الإيرانية

وفي حال مضت واشنطن في فرض عقوبات واسعة على الأطراف التي تتعامل مع إيران، فإن التأثير لن يقتصر على الاقتصاد الإيراني وحده، بل سيمتد إلى مجموعة من الدول التي ترتبط بطهران بعلاقات في مجالات النفط والغاز والطاقة والمواد الغذائية والتجارة العابرة للحدود.

وتبقى فعالية الحملة الأميركية مرتبطة بمدى قدرة واشنطن على فرض العقوبات الثانوية على شركات ومصارف ودول كبيرة، وفي مقدمتها الصين، إضافة إلى قدرة طهران وشركائها على تطوير آليات مالية وتجارية بديلة تقلل اعتمادهم على النظام المالي المرتبط بالدولار.

وبذلك يتحول «يوم الحسم الاقتصادي» إلى اختبار جديد لقدرة الولايات المتحدة على عزل إيران مالياً، وفي المقابل لقدرة طهران على الحفاظ على شبكتها التجارية وسط واحدة من أشد حملات الضغط الاقتصادي التي تواجهها منذ سنوات.

المصدر : العربية – وكالات

Exit mobile version